تقرير أتلانتك كاونسيل عن دولة الجيش في مصر

(ماجد عطية) – 8 مايو 20145

 

توجد بعض الاتجاهات الأقل انتشارا في مصر اليوم منسوبة لرجال ونساء يسعون لإنشاء وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وفي حين أن الأمل في الازدهار الواسع يعول على هذه الطبقات إلا أنه غالبا ما يتم التغاضي عن اهتماماتهم واليوم ترسم هذه الأصوات صورة غير مبشرة. ومن بين التعليقات المتزايدة التي لا يقال معظمها في العلن والتي من الممكن أن تلخص في نقطتين رئيسيتين: الأولى هي أن مصدر القلق الرئيسي بين رجال الأعمال في مصر هو الدور الذي يلعبه الجيش في القطاع الاقتصادي، والثانية هي القلق بدافع من فقدان ما يقرب من نصف شركات التكنولوجيا في مصر منذ عام 2010 وهو ما ينذر بأن جميع المشروعات الصغيرة والمتوسطة ستكون تحت سيطرة متعاقدي من الباطن مع الجيش، وعلى الرغم من أن العديد من قادة هذه الأعمال أنصار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلا أنهم متشتتون بين الأمل بأنه سيقود انتعاش اقتصادي والخوف من أن الولاءات المؤسسية واهتمامات السياسة سوف تعزز الاتجاهات الحالية التي تفيد أن الجيش يتولى دورا كبيرا في الاقتصاد من أي وقت مضى، ولا تزال تطرق الأذهان الطرفة البائسة القائلة بإن مصر يجب عليها أن تقرر ما إذا كانت دولة لها جيش أو جيش تتبعه دولة.

 

لابد أولا أن نتذكر الدور الإيجابي الذي لعبه الجيش في مصر،فلمدة قرنين من الزمان كان الجيش المؤسسة الوطنية التي تعكس إلى حد كبير آمال الدولة وأخطائها أيضا،بينما سقطت عدة دول في محيط مصر بسبب أن جيوشها آلت إلى يد رجل واحد أو طائفة بعينها،ونجت مصر من هذا المصير المشئوم، ودفع نفس السبب الجموع الغفيرة إلى تكرار الأمر نفسه خلال أعوام معدودة ومناشدة هؤلاء الذين يرتدون الزي العسكري أن يتصدوا لمرتديي الحلات وهو ما نتج عنه عزل حسني مبارك ثم محمد مرسي من رئاسة مصر.وعلى الجانب الآخر فيعد هذا تحولا في المهمة الأساسية للجيش،فقد صار يعد نفسه كحام للأمة ضد التهديدات الأجنبية والمسماة بالجهادية، بالإضافة إلى محكم بين رجال السياسة الغير مسئولين علاوة على كونه رائدا للتنمية الاقتصادية بعيدا عن احتكار رجال الأعمال على الساحة،وهذه الرؤى يصعب تغييرها لأنها ليست نتاج أطماع شخصية لكنها تراكمات لقناعات تلك المؤسسة،فالجيش ليس أنسب طريق يقود الأمة إلى الرفاهية الاقتصادية والاستقرار السياسي، فذلك يتطلب مشاركة جميع فئات المجتمع لتحقيق النمو الاقتصادي المرجو. 

 

وليس منطقيا أن نكرر أخطاء عقد 1960 حينما كانت البلاد تحت وطأة أزمات أشد،فخلال هذا العقد كانت طموحات جمال عبد الناصر فيما يخص مستقبل مصر دافعا للجيش لإدارة العديد من مقاليد الأمور في البلاد شيئا فشيئا، فصار ينشأ وينفذ مشاريع قومية ويضع خططا اجتماعية، ثم تلقى اللوم كاملا عندما فشلت تلك الخطط في نقل مصر إلى مرحلة الرفاهية،لكن الضغوطات الحالية التي تنشئها العادات القديمة بالإضافة إلى سياسة "العدالة الاجتماعية" المنتشرة حاليا قد تودي بمصر إلى تكرار نفس الأخطاء. 
 

وحقيقة الأمر هي أن مصر دولة هشة بين سندان الزيادة السكانية ومطرقة اضمحلال الموارد،ويبقى الأمل الوحيد في التنمية هو الاعتماد على الاقتصاد التصديري و-ترشيد-الاستهلاك المحلي،  فدولة لا تستطيع النمو لتصل لحد الكفاف ليس أمامها سوى الاعتماد على المعونات الخارجية أو على تحقيق توازن إيجابي بين ميزان المدفوعات عن طريق زيادة الصادرات،لكن مصر لم تجد بعد الموقع الاستراتيجي في السوق العالمية الذي يؤهلها للتنافس بقوة كما فعلت دول مثل الصين أو الهند، ولن تفلح الآمال أو الأوامر مجردة في تحقيق هذا الأمر، بل يتطلب الكثير من الخطأ والتجربة تحت قيادة بسياسة العمل من أجل النجاة وليس الحصول على التقدير،وهذا النظام لن يكون مربحا لبعض قطاعات الأعمال لكنه سيحسن بنهاية المطاف من مكانة الدولة التنافسية،ويرى العديد من رجال الأعمال المحليين وربما غالبيتهم أن تحسين الاقتصاد سيأتي من الخارج،وهذا الاعتقاد في محله حيث الواقع أن مصر لعبة بين يدي قوى خارجية وأفضل استراتيجية يمكن اتباعها في هذا الموقف هو وضع حوافز مناسبة،  فهناك رغبة بين الدول التي تود مساعدة مصر ألا وهي الاتجاه إلى المشاريع القومية الكبرى،ولكن ربما كان اتباع خطوات أبسط مثل تشجيع الواردات القادمة من مصر ومنح الأعمال المصرية مكانة خاصة سيكون له وقع أفضل على المدى الطويل.

 

والنجاح الذي حققه مؤتمر شرم الشيخ للتنمية الاقتصادية في منتصف مارس لم يبدد بضع مخاوف بعينها،فبعد أن تعهد المشتركون باستثمارات قيمتها 70 مليار دولار في المؤتمر الذي استمر ليومين سيرغب من استثمروا في المشاريع العملاقة حتما بمشاركة أكبر للجيش بصفته المؤسسة الوحيدة القوية القادرة على تأمين سلامة رؤوس أموالهم،وعليه فإن تدفق الأموال إلى الأعمال متوسطة وصغيرة الحجم سيتم تحجيمه إلى حد كبير باعتبار تلك الظروف،فصناع القرار دائما ما يصبون اهتمامهم على الخطوط العريضة مثل حجم وطبيعة المعونات العسكرية ومستقبل الإسلام السياسي أو غيرهما،لكنهم قلما يعيرون انتباههم للخطوات البسيطة التي من شأنها تنمية الاقتصاد،ولا تشترك المصالح الأجنبية والمصرية في أرضية واحدة إلا إن نظرنا بمنظور القومية العالمية المحدود والخطير أيضا،فالسؤال المحير هو كيف للقوى الخارجية مساعدة مصر على النهوض في نفس الوقت التي تقوم بالحد من نفوذها وانتشارها عالميا على المستوى الاقتصادي والثقافي.
 

وإجابة هذا السؤال لا تطرح نفسها في الخطب الرنانة والإعلانات الحماسية بل تجدها بين طيات التعاريف والحوافز الاستثمارية والاتفاقيات التجارية والاحتياطات المعينة،فالأمر يشبه الرقص مع الأفاعي حيث يتحتم ويتعذر تقديم مصر إلى شبكة الأسواق العالمية مع التأكد من الحد من دورها الاستراتيجي،  فعام 2015 يشبه كثيرا عام 1875 حيث تجد مصر نفسها مفلسة بعد دخولها في مشاريع عملاقة استنزفت الخزانة المصرية وتسببت بغرق مصر في الديون التي تقدر بعشرات الملايين لتسددها لمجموعة من المصارف،ولكن هذه المرة يجب ألا نعتمد على المصارف بل على آلاف من شركاء التجارة،وأفضل منهجية حاليا هي الإعلان عن نبذ المساعدات والاعتماد على الالتزامات كبديل والتأميل على جذب العديد بهذه السياسة.