ستراتفور: إصلاحات في مصر تهدف الي إنعاش قطاع الغاز الطبيعي

 

ملخص 

يخطو الرئيس السيسي خطوات واسعة في مجال إصلاح قطاع الغاز الطبيعي المصري، ففي وقت مبكر من هذا الشهر وصلت سفينة هوي غالانت  Hoegh Gallentالمخزن العائم ووحدة الاستعادة (أي تحويل الغاز من المسال الي الحالة الغازية)، الي ميناء مدينة العين السخنة في خليج السويس، وقد حاولت مصر تأجير هذا المرفق لعدة سنوات، وبمساعدة المؤسسات متعددة الأطراف ودول الخليج فقد قامت مؤخرا بوضع اللمسات الأخيرة على صفقة للوحدة في 2014.  وتكافح مصر من أجل الحفاظ على مستويات إنتاجها من الغاز الطبيعي، في حين أن استهلاك الطاقة المحلي تزايد بنسبة تتعدى 50% خلال العقد الماضي، ولا يزيد الدعم المالي للطاقة شيئا إلازيادة الاستهلاك المحلي للطاقة، والذي بلغبالنسبة للغاز الطبيعي 50 مليار متر مكعب في العام، وقد توقف نمو الإنتاج كنتيجة لنقص الاستثمارات، وساهمت سياسة مصر الخاصةببيع الطاقة المستوردة غالية الثمن في السوق المحلي في إفراغ خزينة الدولة. 

وقد بدأ السيسي باتخاذ خطوات لمعالجة مشكلة الطاقة في مصر، أو علي الأقل مشكلة قطاع الغاز الطبيعي، بما سيعود بدوره بأثر علي القطاعات الصناعية وتوليد الطاقة في البلاد، ففي يوليو 2014 تم تقليص عدد من برامج الدعم بشكل ملحوظ والتي كانت تثقل كاهل المالية، مما أدي الي عدد من التعاملات مع شركات البترول العالمية والتي كانت قد توقفت مشاريعها بسبب نقص الدعم والثقة في تحصيل المدفوعات، وبينما تبشر هذه التغييرات بالخير في إنقاذ قطاع الغاز الطبيعي المصري، فإن البلاد سوف تظل مقيدة في قدرتها علي جلب الواردات باهظة الثمن علي نحو متزايد والدعم المالي للسلع الأخرى، ويشمل ذلك الغذاء والبترول.

 

التحليل
وتهدف إصلاحات السيسي لمعالجة عاملين يتسببان بتدهور الاقتصاد المصري: الدعم المالي الضخم والقضاء علي الدين، فقبل هذه الإصلاحات أنفقت مصر علي دعم الوقود أكثر من التعليم والصحة والبنية التحتية مجتمعين، ففي عام 2013 تم توجيه 22% من الموازنة (ما يعادل 7% من الناتج الإجمالي للبلاد) نحو الدعم المالي للوقود، في حين تم تزويد الدعم المالي للكهرباء بـ 8% إضافية من الميزانيةيشترك معها في تلك النسبة مع دعم المواد الغذائية، وأسهمت هذه البرامج في استنزاف الكثير من الموارد المالية للحكومة المصرية.
وحل هذه المشكلة واضح: وهو إلغاء أو تقليل الدعم المالي، وبالرغم من ذلك فإن أسلاف السيسي مثل حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الانتقالية والرئيس السابق محمد مرسي لم يمتلكا أبدا الدعم السياسياللازم لاتخاذ مثل تلك الخطوة، فكانت الحكومة العسكرية علي دراية بحالتها المؤقتة ولو تكن تريد تحمل اللوم علي إصلاحات اقتصادية غير مرغوبة شعبيا (بغض النظر عن شدة الحاجة إليها)، في حينتم توريط حكومة مرسي في عدد من الخلافات السياسية وشُلت بعدد من القيود، وبالمقارنة فإن المصريين قد أولوا السيسي مساحة كبيرة في تجنب الأخطاء وليطبق الإصلاحات المطلوبة لإصلاح الاقتصاد وذلك منذ فوزه الانتخابي في مايو الماضي.

 

 

وسبب أزمة الطاقة المصرية هي الأسعار المنخفضة بشكل غير طبيعي، وسوف يساعد تقليل هذا الدعم البلاد في عكس اعتمادها علي واردات الطاقة علي الأقل، ولذلك فإن السيسي يخطط لرفع الدعم خلال السنوات الثلاث إلي الخمس القادمة، وهذا جدول زمني متفائل كثيرا، وحكومته التي تتكون بشكل كبير من الموالين بدلا من الكفاءات التي بإمكانها سن الإصلاحات، مما يضر بقدرته علي خفضالدعم على الوقود والغذاء. ورغم ذلك فقد أسفرت محاولات الرئيس سن التغيير عن نتائج إيجابية: فبحلول النصف الثاني من 2014، انخفض الإنفاق الحكومي على دعم الوقود الي 45 مليار جنيه مصري حوالي 6.2 مليار دولار أقل من إنفاق العام الماضي الذي بلغ 65 مليار جنيه. وربما تواجه السيسي صعوبات أعظم في إصلاح قطاعات أخري غير الغاز الطبيعي، فبينما تستطيع جهوده دعم إنتاج الغاز الطبيعي بشكل ناجح، نه لا يمكننا الجزم بذلك فيما يخص الغذاء والبترول،فاستهلاك البلاد لكل من الغذاء والوقود يرتفع وسيستمر بفعل التمدد السكاني المتوقع له الزيادة بما يقارب 10 مليون نسمة خلال الثمان سنوات القادمة، فقد ركد إنتاج البترول ولا تظهر أي بوادر علي تعافيه قريبا، ويرجع هذا لانحصار اكتشافات الطاقة الجديدة في مصر في حقول للغاز الطبيعي، وهذا يعني أن البلاد ستصبح مستورد هام للبترول بسبب نموها السكاني، وبالمثل فإن واردات مصر من القمح وهو العمود الفقري لنظام الغذاء المصري ومن السلع الغذائية الأخرى كالذرة سوف تزيد بزيادة عدد السكان، في حين أن الموارد المائية المحدودة تعيق الزراعة المحلية. 

 

فالضغط الذي يضعه دعم الغذاء والطاقة علي مالية القاهرة وصولا الي الشركة المصرية القابضة للغازات التي أصبحت غير قادرة علي السداد للشركات العالمية نظير إمداداتهم بالطاقة وأُجبرت علي البيع في السوق المحلية بأسعار منخفضة بشكل مبالغ فيه وقد شهدت مصر تضاؤل الاستثمار من الشركات الدولية، ويتضمن جزء من خطة السيسي للإصلاح الاقتصادي خفض حجمالدين المصري المستحق لشركات البترول الأجنبية ومن ثم تسديده كاملا، وبالفعل فإن مصر سددت نحو 5 مليارات دولار، وتخطط الحكومة أن تسدد المتبقي المتمثل في 3.1 مليار دولار بحلول منتصف 2016، ولكن الجزء الأكبر من مدفوعات القاهرة هو من المقرضين الدوليين، خصوصا البنوك ودول الخليج الثرية مما يعني أن الحكومة المصرية تؤجل السداد المؤلم ليس إلا.

 

مشاكل قطاع الغاز الطبيعي المصري
 

يستأثر الغاز الطبيعي والمسال بنسبة 35-40% من دعم مصر للبترول، ولكنها أيضا المنتجات التي تمتلك مصر المقدرة على إنتاجهم داخليا، فركود إنتاج البلاد من الغاز في السنوات الأخيرة لم يكن بسبب نقص الاحتياطي بل بسبب السعر، فمنذ عام 2008 لا تتلقي شركات البترول الدولية التي تعمل في مصر أكثر من 2.62 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي، مقارنة بحوالي 7 دولار لكل مليون وحدة حرارة بريطانية في السوق العالمية، ويرجع ذلك إلى أن معظم موارد الغاز الطبيعي الغير متطورة تقع في أحواض عميقة في البحر المتوسط، والعائدات غالبا ما تكون غير مجزية وتكلفة إنتاج الغاز الطبيعي المصري غالبا ما تفوق إيرادات شركات البترول العالمية غير أن القاهرة تجبرهمعلي بيع الغاز في السوق المصرية. فالسيسي الذي لديه قطاعات أخري ليتم أخذها بعين الاعتبار عند انتقاء واختيار في أيها يخفض الدعم، يجب عليه أن يحاول إيجاد نقطة يتوقف عندها السعر لجذب الاستثمار الدولي تكون أقل من أسعار الغاز الطبيعي المسال العالمية كي تكون القاهرة غير مجبرة على الاستمرار في دعم الوقود، وقد حققت مصر تقدما ملحوظا في الوصول الي اتفاقيات جديدة مع شركات بترول عالمية ستعود بالفائدة على الطرفين، فالشركاتوضعت مثل هذه الاتفاقات علي سعر سيجني لها إيرادات أعظم، في حين أن مصر سوف تحصل علي ضمانات بأن كل منتجات الغاز سوف تذهب الي السوق المحلية قريبا، وعلى سبيل المثال فقد وافقت شركة بريتش بيتروليمBP  علي استثمار 12 مليار دولار في مشروع شمال الإسكندرية الهائل في امتيازها غرب دلتا النيل في مقابل سعر قالت التقارير أنه ضعف المبلغ الأصلي البالغ 2.65 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، وتقوم مجموعة BGبوضع اللمسات الأخيرة للاتفاق بـسعر 5.88 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي الذي تنتجه من امتيازها البحري العميق غرب الدلتا. 

 

وزاد تطوير الشروط المالية ودفع الدين من كمية مشاريع الطاقة المبرمة في مصر، وسيزيد مشروع الإسكندرية 5 تريليون قدم مكعب إلى موارد الغاز الطبيعي وسينتج حوالي مليار قدم مكعب من الغاز يوميا أي ما يعادل خمس انتاج مصر الحالي، وتضع شركة ENIالإيطالية أيضا اللمسات الأخيرة علي اتفاق من المتوقع أن يجلب لمصر 5 مليار دولار من الاستثمارات في مشاريع الطاقة خلال الخمس سنوات القادمة، إضافة الي ذلك فقد أعلنت شركة بريتش بيتروليم أن عددا من المشاريع المتوقفة سوف تمضي قدما مرة ثانية.

 

استمرار الحاجة الي الواردات
 

وعلي الرغم من محاولات تنشيط قطاع الغاز الطبيعي المصري فإنه من المحتمل أن تسقط طريقة الإنتاج القديمة خلال السنوات الخمس القادمة، ففي حين أن الاستهلاك  سوف يستمر في النمو (وإن كان أكثر بطئا)، فإن مصر سوف تكون بحاجة الي استيراد بعض الإمدادات من الغاز الطبيعي، علي الأقل في تلك الفترة الانتقالية حتي تستعيد زيادة إنتاجها.  وقد أنفقت الحكومة المصرية الكثير في الستة أشهر الماضية لتأمين وصول واردات الغاز الطبيعي المسال، وقد أصدرت القاهرة مناقصة بـ 202 مليار دولار لـ 75 شحنة سوف تصل الي 10 مليار متر مكعب خلال العامين القادمين، ما يكفي تقريبا لسد الفجوة ريثما تعود مصر لاستئنافوالاستفادة من تصدير الغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، فقد أصبح من الواضح أن مصر لا تريد استيراد الغاز الطبيعي المسال علي مدي طويل، وقد أشارت القاهرة الي ذلك حينما استأجرت سفينة هوي غالانت لخمس سنوات فقط ووقعت مع شركات دولية عقودا سوف تنتهي خلال سنوات قليلة، فارتفاع سعر الغاز الطبيعي إضافة الي موارد الغاز المصري الثقيل جعل فرصة تصدير الغاز المسال الي مصر جذابة، لكن القاهرة ستضطرلإقناع شركاتالنفط الدولية بأنها سوف تدفع النسب المتفق عليها خلال إطار زمني معقول،فلا يزال مصدر إيرادات مصر يعتمد علي الشركاء الإقليميين، وستظل الشركات الأجنبية تتردد قبل التوقيع علي العقود مع مصر حيث أن الاتفاق سيتعمد علي علاقات القاهرة بجيرانها، وعلي المدي الطويل فإن مصر تفضل استيراد الطاقة عبر خطوط أنابيب إقليمية، والتي ستكون أرخص من الغاز الطبيعي المسال، فقد اكتشفت قبرص وإسرائيل المجاورتان لمصر ودائع خارجية للغاز الطبيعي باهظة الثمن لتصديرها خارج المنطقة، ولذلك فإن القاهرة تتطلع الي استيراد الغاز الطبيعي القبرصي والإسرائيليعلي المدي الطويل، لكنها سوف تضطر الي استخدام واردات الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجاتها من الطاقة حتي تحقق هذه المشاريع كاملة.

 

وفي الوقت الحالي، بدأت إصلاحات السيسي الاقتصادية تظهر بوادر التقدم، ولكنها ما زالت في مراحلها الأولي،فقد استطاع أن يخلق بعض الشعور بالاستقرار، والوصول الي اتفاقيات جديدة وسداد بعض الديون ولكن يبقي أن نري اذا ما كانت مصر قادرة علي الحفاظ علي زخمها. 
يضاف إلى ذلك أنه وبالرغم من تشجيع التطوير في طاع الغاز الطبيعي المصري، فإن البلاد سوف تستمر في اعتمادها علي استيراد المنتجات الأخرى كالبترول والغذاء، فتخفيض الدعم سوف يجبر المصريين علي دفع أسعار دولية، ورد الفعل السلبي الناتج سوف يكون تحديا لشعبية السيسي، ونتيجة لذلك فإن السيسي ربما يترك جزءا من الدعم كما هو، وأيضا فإن الضغط علي المواردالمالية في مصر سوف يسوء كلما زاد الاستهلاك.