لوس أنجلوس تايمز: شريف عبد القدوس
يوم الثلاثاء الماضي، حصل الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي على حكم بالسجن 20 عاما دون إمكانية الإفراج المشروط وذلك في تهم تتعلق بقتل 10 متظاهرين. جاء الحكم بعد خمسة أشهر من إسقاط المحكمة للتهم الموجهة إلى سلفه، حسني مبارك، فيما يتعلق بقتل مئات المتظاهرين الذين انتفضوا خلال الثورة المصرية عام 2011 ضد حكمه الذي دام 30 عاما. من المفيد عقد المقارنة بين الحالتين، القضاء المصري يوصف بأنه مستقل من قبل النظام ومتملقيه الذين لم يعد من الممكن وصفهم بالحياد. في عهد مبارك، أظهر القضاة على الأقل قدرا من الاستقلال، مما أجبر النظام دوريا على اللجوء إلى محاكم استثنائية مثل المحاكم العسكرية أو محاكم أمن الدولة للحصول على الأحكام التي يريد. لكن بعد ثورة عام 2011 والاضطرابات التي لحقتها، شعرت مؤسسات الدولة بالرعب، لتتبنى استراتيجية الحصار في مواجهة ما اعتبروه تهديدا وجوديا. النظام القضائي لم يعد حتى يحاول الحفاظ على سيادة القانون أو تقديم العدالة للمواطنين. إن هدفه الرئيس الآن هو حماية النظام، وعلى رأسه الجيش والشرطة.
صار روتينا أن يصدر القضاة أحكاما قاسية، ليس فقط ضد من ينتقدون الحكومة بشكل واضح، ولكن ضد أي شخص قد يعتبر تهديدا للنظام الحاكم. النشطاء الإسلاميون، والمدافعون عن حقوق الإنسان، والعاملون في مجال المجتمع المدني، والصحفيون والنقابيون والطلاب وأطفال الشوارع والمثليون جنسيا، كلهم تم استهدافهم. في الوقت نفسه، يحصل أفراد الشرطة والمسؤولون الحكوميون على البراءة تلو البراءة، بل على الرغم من مقتل مئات المتظاهرين من قبل قوات الأمن، سيكون من الصعب للغاية العثور على ضابط شرطة واحد خلف القضبان. في أيام الاضطرابات التي أعقبت ثورة عام 2011 كانت للشوارع أهميتها وكانت التعبئة الجماهيرية قوة سياسية فاعلة. بعد أربع سنوات، كصحفي يغطي أحداث مصر، أشعر وكأنني صحفي محاكمات، السجون متخمة بالنزلاء، والمحاكمات لا تتوقف.
تعقد العديد من المحاكمات في قاعة محاضرات في معهد أمناء الشرطة داخل مجمع سجون طرة مترامي الأطراف. وهو مكان غير مناسب بأي شكل لأن يتحول قاعة محاكمات عامة. توجد ثلاث مراحل تفتيش للوصول إلى داخل المكان. وعادة الصحفيون والمحامون فقط هم من يتمكنون من الدخول. أما أسر المتهمين فعليهم الانتظار خارجا، محاطين بالكلاب البوليسية ودبابات الجيش. قفص المتهمين الذي تعتمده قاعات المحاكم المصرية أصبح يزود بزجاج سميك عازل للصوت، مما يجعل سماع المتهم وربما حتى رؤيته أمرا مستحيلا. خلال فترات تعليق الجلسات، يمكن التواصل مع المتهمين فقط بلغة إشارة يتم ارتجالها.
أثناء إجراءات المحكمة، يبذل محامو الدفاع كل ما في وسعهم في مواجهة الأدلة التي تستند كلها تقريبا على شهادات الشرطة فقط. يقدم محامو الدفاع لقطات الفيديو والشهود، يستشهدون بالقوانين ويقتبسون من الدستور، ويقدمون مرافعات مفصلة. لكن جهودهم عادة لا تحدث إلا فرقا ضئيلا. المحامي «محمود بلال»، الذي قضى شهرا يدافع عن المتهمين في ثلاث قضايا متزامنة متعلقة بالتظاهر، شاهد بلا حول ولا قوة موكليه يحصلون على أحكام تتراوح بين السجن عامين إلى السجن مدى الحياة. «أنا وزملائي فقدنا الإيمان بالقضاء تماما، لكن ما نفعله هو المساهمة على الأقل بكشف الانتهاكات في هذه الحالات، وجعل إصدار الأحكام السياسية أكثر صعوبة على القضاة». هكذا قال بلال لمحرر «مدى مصر» هذا الشهر.
تتنوع الأحكام بين الصادم وغير المعقول. في الأسبوعين الأخيرين، قامت محكمة بمنح الشرطة حق ترحيل ومنع الأجانب مثليي الجنس. كما صدر حكم ضد راقصة شعبية بالسجن ستة أشهر بتهمة «إهانة العلم المصري» بعد أن رقصت مرتدية زيا يحمل ألوان العلم الثلاثة. حكم أيضا على 22 شخصا متهمين باقتحام مركز للشرطة وقتل ضابط بالإعدام، حكم على 14 شخصا آخرين بالإعدام في قضايا أخرى، كما صدر حكم ضد 37 شخصا بالسجن مدى الحياة. بين هؤلاء العديد من الصحفيين ومواطن أمريكي، متهمين بمعارضة انقلاب الجيش على حكم مرسي.
القضيتان الأخيرتان أشرف عليهما القاضي ناجي شحاتة، أبرز قضاة مصر سيئي السمعة. رجل ممتلئ الجسم سميك الشوارب، ويعرف بارتدائه نظارات سوداء داخل قاعة المحكمة. وفقا لجريدة التحرير المملوكة للقطاع الخاص، فقد أصدر شحاتة أحكاما بالإعدام على 204 متهما، كما حكم ب 7395 عاما من السجن ضد 534 آخرين، كلها خلال 5 قضايا فقط من القضايا التي ترأسها. هكذا برر شحاتة حكمه ضد صحفيي قناة الجزيرة الثلاثة بالسجن عام 2013: «إن الشيطان شجعهم على استخدام الصحافة وتوجيهها ضد الأمة». مع ذلك، لا تقتصر المشكلة على قضاة بعينهم. إنها مسألة منظومة. تم التخلص من القضاة المنشقين، كما أن أعضاء النيابة العامة متوافقون تماما مع النظام.
«أسوأ المجرمين المسؤولين عن غياب العدالة في مصر، عن غياب المجتمع المدني وغياب كل شيء يجعل الحياة صالحة في مصر هم القضاة.» هكذا أخبرتني أهداف سويف الكاتبة والناشطة المعروفة، بعد لحظات من حصول ابن أخيها الناشط البارز علاء عبدالفتاح على حكم بالسجن 5 أعوام بسبب مظاهرة سلمية. «لقد كانت خيبة أمل كبيرة ومريرة أن نعرف أنهم لا يبالون بتدمير إيمان الناس بالعدالة فقط لأنهم قرروا أن مصالحهم تكمن في دعمهم للنظام. إنه أمر لا يصدق. »
أصبح القضاء، والذي كان يوما يتصرف كرادع لسلطوية النظام، أصبح مشاركا في القمع وداعما له، كما لم يعد ينظر إليه على أنه متجاوز للخلافات السياسية. إذا حدث واندلعت ثورة أخرى في مصر، فإن مؤسسة القضاء قد تصبح هدفا رئيسا للغضب الشعبي.