ميدل ايست انستيتيوت: إصلاح الخطاب الديني في مصر

 حسن منيمنة - 14 مايو 2015

 

حصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على العديد من الجوائز المحلية والدولية، لدعواته المتكررة للحوار الديني بعيدا عن التطرف. وقد أعرب السيسي عن قناعته بأن الميل إلى التطرف والصراع ليس اتجاه أصيل في الإسلام، وإنما هو نتاج تقديس النصوص والقبول غير المتفق مع قواعد النقد النزيه للعلماء الأوائل.

 

في مناسبة عامة في يناير كانون الثاني عام 2015، دعا السيسي علماء الأزهر، المؤسسة الدينية الرئيسية في مصر، لمراجعة المناهج والتعليم الديني الوطني، التي تشرف عليه. كما دعا لإعادة النظر في التعليم الديني في المدارس العامة، شكلا ومضمونا، وقد تم ذلك بالفعل وتم البدء من أجل ضمان أن المواد لا تعزز التطرف. كما أعلن الأزهر أيضا إطلاق حملة إعلامية عن القيم الإسلامية من التسامح والقبول. وأكد السيسي أن الإصلاح المقصود سيكون يحماية واحترام المشاعر الدينية وبالتالي فإنه سوف يمضي بخطى متأنية.

 

ومع ذلك فإن "الثورة الدينية" التي دعا إليها السيسي إذا لم يتم إدارتها بشكل صحيح، فإنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية. وقد وجد استنكار السيسي للجهادية الراديكالية صدى لدى الكثير من الجمهور المصري (والعربي والمسلم) بسبب سخطه على الأهوال التي ترتكبها الدولة الإسلامية (داعش) باسم الإيمان. وتشارك مصر في معركة مزدوجة ضد نشطاء داعش، على أراضيها في سيناء في الشرق، وفي ليبيا، حيث لا يزال يقيم العديد من المصريين ويعملون، في الغرب. وقد أظهرت داعش وحشية استثنائية ضد مصر، مما أسفر عن مقتل، بتصوير حي، العمال المصريين المسيحيين في ليبيا والجنود المصريين في سيناء. كما أن الوعي القومي المصري يقدم عادة للحكومة الفرصة للاستفادة من إرهاب داعش ضدها. ومع ذلك، تعاني مصر، من الأزمة السياسية التي اتسعت خطوط صدعها، وبالتالي تعرض الوحدة الوطنية للخطر التي هي بحاجة إليها لمحاربة داعش على نحو فعال.

 

نشأت هذه الأزمة السياسية بعد احتجاجات عامة ضد جماعة  الرئيس محمد مرسي الذي ينتمي إلى الإخوان المسلمين في يونيو عام 2013 والاطاحة به من قبل الجيش في يوليو تموز. وقد أشعلت الاطاحة حركة الاحتجاج والمعارضة من قبل الإخوان. مما جعل الحكومة تصنف حركة الإخوان المسلمين على أنها منظمة إرهابية، وسجنت الآلاف من أعضائها، ومازلت مستمرة في اتخاذ التدابير القمعية ضد أعضائها والمعارضين السياسيين الآخرين. وفي ظل الظروف الحالية من عبث حركة الاحتجاج التي سحقت بالقوة، واللامبالاة تجاه نفوذ جماعة الإخوان في عواصم العالم، والرواية الرسمية التي تخلط بين جماعة الإخوان المسلمين وداعش-فإن هناك خطر حقيقي من أن يلجأ أنصار الإخوان المسلمين بشكل متزايد إلى وسائل أكثر تطرفًا وعنفًا.

 

هذا الوضع في مصر، الذي جعل الإخوان المسلمين يشعرون بأنهم غير قادرين على التراجع عن موقفهم تجاه النظام الجديد، يشكل مأزق مع التداعيات الثقافية والوطنية الخطيرة التي فيها الدين مقابل العلمانية، والمسلم مقابل المسيحي، والمناطق الحضرية مقابل الريفية، والمنافسة العالمية مقابل محدودية التفكير للدعاوى الأصولية.

 

وعاد انتقاد السلطة السياسية إلى كونه من المحرمات الممنوعة، وتم تخصيص مساحة لحرية التعبير على ما يبدو مرتجلة للطعن في السرد الديني ظاهريا كتدبير لمكافحة جماعة الإخوان المسلمين. كما شهدت الصحافة المطبوعة والإنترنت ظهور قطاع جديد من البحث الديني النقدي. ومع ذلك، فإن التوجه الرئيسي للنشاط، تديره محطات تلفزيونية خاصة، من خلال برامج النقاش والرأي التي تقدم وجهات نظر متقاربة عن مسؤولية الفكر الديني المتصلب عن افتقار البلاد للتقدم. هذا الجهد، مشبع بالفعل الانفعالي، وأحيانا بالهجومية المتعمدة،  كما عرضت التحريفية على  أنها فكر التقدمي، وقد عزز ذلك دعوة السيسي للثورة الدينية وشهدت طفرة ملحوظة في عرض ومناقشة موضوعات المنبوذين سابقا. ويقود إنشاء حملة المعادية للدين هو صاحب الانتاج الإعلامي الوفير المتحرر إسلام البحيرى، الذي يشكك في مصداقية مصادر الأحاديث النبوية.

 

وهكذا تعرض مجتمع عميق الإيمان لخطب وسائل الإعلام التي تحط من تراثه الديني وتشويه سمعة ممارساته كما في العصور الوسطى. التي وصفها البحيري والمتعاطفين معه باسم "العلاج بالصدمة"، والخطاب يترك مساحات كبيرة من قلق الجمهور العام. ووراء الوهم افتتاح أماكن جديدة للتفكير الحر يكمن واقع المزيد من الاستقطاب وتنفير قطاعات من السكان عرضة للتجنيد المتطرف.

 

هذه النتيجة على ما يبدو غير مقصودة ولكن قد تكون مكلفة وربما كان من المفيد لو كانت تحل محل الخطاب الديني الحاقد ببديل مستنير. وبدلا من ذلك، ومع ذلك، فإن المقترحين المتنافسين لحل محلها هي مستنسخات من روايات تاريخية فشلت وتم استبدالها من الخطاب الديني الوطني المحلي ودعاة التطرف بشكل متزايد.

 

أولا، عهد إلى الأزهر لإعادة الصياغة والتعزيز، استنادا إلى الدين الإسلامي التقدمي للقرن العشرين الذي يسعى إلى تحقيق المواءمة بين الإيمان والقيم العالمية في أثناء ذكر الموقف السياسي لأحد الموالين الأكثر هدوءًا. ومع ذلك، فإن أسسها الفكرية، عانت من استنزاف حاد في العقود الماضية. وقد تعود باعتبارها السرد الديني الرسمي، لكنها غير معدة لتحدي التأييد المنشأ بشكل متقن من النشاط والمعارضة المتجسدة في اللاهوت الإسلامي المتطرف المهيمن بشكل متزايد.

 

الاقتراح الثاني، بقيادة المفكرين والإعلاميين، ويقدم على أنه محاولة للإصلاح العميق لمارتن لوثر عن طريق إبعاد النصوص والأحكام المرهقة والعودة إلى القرآن باعتباره الأساس. هذا الاقتراح لا يملك الا القليل من الجذب والثقل الفكري لمواجهة التطرف الأكثر تدينا. وفي واقع الأمر، يمكن أن يشكل تأثيره المهيج حافزا إضافيا للتطرف.

 

المشهد الإعلامي في مصر 2015، بالمقارنة مع عام 2011، يعرض نزوح ملحوظ من المناقشات حول العدالة الاجتماعية والاقتصادية إلى المناقشات الدينية الغامضة. الخطاب الديني الحاقد يستغل ويستفحل، ولكنه لم يخلق، الأزمة. وللتغلب عليه، والتبشير بظهور بديل حميدة يتطلب الأمر من الحكومة المصرية تحقيق النجاح في معالجة الأساسيات. وهنا يتمثل التحدي الهائل.